الشنقيطي

115

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فالأولى منها إذا دخل على الفعل عامل جزم والثانية إذا دخل عليه عامل نصب والثالثة إذا أكد الفعل بنون التوكيد الثقيلة نحو لتبلون وأما الحالة التي يجوز فيها الإثبات والحذف فهي ما إذا اجتمعت مع نون الرفع نون الوقاية لكون المفعول ياء المتكلم فيجوز الحذف والإثبات ومن الحذف قراءة نافع في هذه الآية فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ( 54 ) بالكسر وكذلك قوله تعالى : قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما [ الأنعام : 80 ] . وقوله تعالى : وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ بكسر النون مع التخفيف في الجميع أيضا وقوله قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ [ الزمر : 64 ] الآية بالكسر مع التخفيف أيضا وكلها قرأها بعض القراء بالتشديد لإثبات نون الرفع وإدغامها في نون الوقاية وأما الحالة الخامسة المقصورة على السماع فهي حذفها لغير واحد من الأسباب الأربعة المذكورة كقول الراجز : أبيت أسري وتبيت تدلكي * وجهك بالعنبر والمسك الذكي أما بقاء نون الرفع مع الجازم في قوله : لولا فوارس من نعم وأسرتهم * يوم الصليفاء لم يوفون بالجار فهو نادر حملا للم على أختها لا النافية أو ما النافية وقيل هو لغة قوم كما صرح به في التسهيل وكذلك بقاء النون مع حرف النصب في قوله : أن تقرأن على أسماء ويحكما * مني السلام وألا تشعرا أحدا فهو لغة قوم حملوا أن المصدرية على أختها ما المصدرية في عدم النصب بها كما أشار له في الخلاصة بقوله : وبعضهم أهمل أن حملا على * ما أختها حيث استحقت عملا ولا ينافي كون استفهام إبراهيم للتعجب من كمال قدرة اللّه قول الملائكة له فيما ذكر اللّه عنهم : قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ ( 55 ) [ الحجر : 55 ] بدليل قوله : قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ( 56 ) [ الحجر : 56 ] لأنه دليل على أن استفهامه ليس استفهام منكر ولا قانط والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ( 56 ) [ 56 ] . بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم قال للملائكة إنه لا يقنط من رحمة اللّه جل وعلا إلا الضالون عن طريق الحق وبين أن هذا المعنى قاله أيضا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم لبنيه في قوله : يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ( 87 ) [ يوسف : 87 ] قال أبو حيان في البحر المحيط في تفسير قوله تعالى : إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ الآية وروح اللّه رحمته وفرجه وتنفيسه .